عبد القادر الجيلاني
339
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
حياة الحق ولها ثلاثة أنفاس نفس الهيبة ونفس الوجود ونفس الانفراد وليس وراء ذلك النظارة ولا طاقة الإشارة والمواجد ثمرات الأوراد وترك الأحوال قبل استحضار اللّه تعالى أي قبل أن يستحضر العبد اللّه تعالى موجودا معه في كل معنى سبحانه وتعالى ومن تهاون بسر اللّه تعالى أنطق اللّه تعالى لسانه بعيوب نفسه . وكان رضي اللّه عنه يتمثل بهذه الأبيات كثيرا : كادت سرائر سرّي أن تسرّ بما * أوليتني من جميل لا أسمّيه فصاح بالسر سرّا منك يرقبه * كيف السرور بسرّ دون مبديه فظل يلحظني سرّي لألحظه * والحق يلحظني لم لا أراعيه وأقبل الوجد ينفي الكل من صفتي * وأقبل الحق يخفيني وأبديه قال الشيخ القدوة شيخ الصوفية شهاب الدين عمر السهروردي رضي اللّه عنه انحدرت إلى البصرة لأزور الشيخ رضي اللّه عنه فمررت في طريق إليه بمواش وزرع ونخيل كثيرة مضافة إليه فخطر في نفسي أن هذا حال الملوك ودخلت البصرة وأنا أتلو سورة الأنعام فقلت في نفسي : أي آية انتهيت بها إلى داره فهو فألي معه فوضعت رجلي على عتبة بابه وأنا أتلو أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده فتلقاني خادمه وأمرني بالدخول بأمر من الشيخ له قبل أن استأذنه فدخلت إليه فقال لي : ابتدأ يا عمر جميع ما على الأرض فهو على الأرض وليس في قلبي منه شيء فاشتد تعجبي من علمه بحال لم يعلمه مني سوى اللّه تعالى . وقال الشيخ علي الخباز كنت عند بعض أصحابي ببستان له بالبصرة فدخل علينا فقير أشعث أغبر فقال لصاحب البستان : أشبعني تينا فقدم له وزنة من التين فأكلها وقال : زدني فقدم له أخرى فأكلها وقال : زدني فما زال يقدم إليه وزنة بعد وزنة حتى أكل ألف رطل ثم أتى إلى نهر هناك وجعل يغترف منه ويشرب حتى شرب منه ماء كثيرا وانصرف ثم بعد مدة قال لي صاحب البستان : إن غلته تضاعفت أمثالا عن مقدارها في كل سنة قال : ثم حججت في ذلك العام فبينما أنا أمشي يوما وحدي أمام الركب فخطر ببالي شأن ذلك الرجل وتمنيت رؤيته فإذا به عن يميني فدهشت منه وسلمت عليه وسرت معه فكان يمشي هو وأنا وإذا جلس نزل الركب جميعه وإذا مشى سار الركب كله فجاء يوما إلى بركة كبيرة قد رسب ماؤها فجعل يقطع من طينها ويأكل ثم أطعمني من تلك الطين فإذا هو من حشو الحشكلانج وله رائحة كالمسك الأذفر وشرب من الماء شيئا كثيرا ثم قال لي : يا علي هذه الأكلة من بعد تلك الأكلة التي رأيت وليس بينهما طعام ولا شراب